طالما ضمته إلى صدرها.. وأرضعته من ثديها
طالما سهرت لسهره.. وبكت لبكائه
كم ليلة بات في حجرها.. ولعب بشعرها
كم قربت منه ألعابه.. وألبسته ثيابه
جاهدت نفسها أن تتجلد وتتماسك.. فالتفتوا إليها.. وتدافعوا عليها.. وانتزعوا الخامس الرضيع من بين يديها.. وكان قد التقم ثديها.. فلما انتزع منها.. صرخ الصغير.. وبكت المسكينة.. فلما رأى الله تعالى ذلها وانكسارها وفجيعتها بولدها.. أنطق الصبي في مهده وقال لها:
يا أماه اصبري فإنكِ على الحق
ثم انقطع صوته عنها.. وغيِّب في القدر مع إخوته..
ألقي في الزيت.. وفي فمه بقايا من حليبها
وفي يده شعرة من شعرها
وعلى أثوابه بقية من دمعها
وذهب الأولاد الخمسة.. وهاهي عظامهم يلوح بها القدر..ولحمهم يفور به الزيت
تنظر المسكينة.. إلى هذه العظام الصغيرةعظام من؟
وما هي إلا لحظات حتى غرق في الزيت المغلي
وغاب الجسد
وانقطع الصوت
وشمت الأم رائحة اللحم.. وعلت عظامه الصغيرة بيضاء فوق الزيت يفور بها
تنظر الأم إلى عظامه.. وقد رحل عنها إلى دار أخرى وهي تبكي.. وتتقطع لفراقه
إنهمأولادها.. الذين طالما ملئوا عليها البيت ضحكاً وسرورا
إنهم فلذات كبدها.. وعصارة قلبها.. الذين لما فارقوها..كأن قلبها أخرج من صدرها.. طالما ركضوا إليها.. وارتموا بين يديها.. وضمتهم إلى صدرها.. وألبستهم ثيابهم بيدها.. ومسحت دموعهم بأصابعها
ثم هاهم يُنتزعون من بين يديها.. ويُقتلون أمام ناظريها..
وتركوها وحيدة وتولوا عنها.. وعن قريب ستكون معهم
كانت تستطيع أن تحول بينهم وبين هذا العذاب..
لفرعون.. لكنها علمت أن ما عند الله خير وأبقى
ثم.. لمّا لم يبق إلا هي.. أقبلوا إليها كالكلاب الضارية.. ودفعوها إلى القدر.. فلما حملوها ليقذفوها في الزيت.. نظرت إلى عظام أولادها.. فتذكرت اجتماعها معهم في الحياة.. فالتفتت إلى فرعون وقالت: لي إليك حاجة
فصاح بها وقال: ما حاجتك؟
فقالت: أنتجمع عظامي وعظام أولادي فتدفنها في قبر واحد
ثم أغمضت عينيها.. وألقيت في القدر.. واحترق جسدها.. وطفت عظامها
لله درّها..
ما أعظم ثباتها.. وأكثر ثوابها..
ولقد رأى النبي صلى الله عليهوسلم ليلة الإسراء شيئاً من نعيمها.. فحدّث به أصحابه وقال لهم فيما رواه البيهقي: لما أسري بي مرت بي رائحة طيبة، قلت: ما هذه الرائحة؟ فقيل لي: هذه ماشطة بنت فرعون وأولادُها
الله أكبــر
تعبت قليلاً.. لكنها استراحت كثيراً..
مضت هذه المرأة المؤمنة إلى خالقها.. وجاورت ربها
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو أن امرأة منأهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها
وروى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: من دخل الجنة ينعم لا يبؤس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه. وله في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر..ومن دخل إلى الجنة نسي عذاب الدنيا
ولكن لن يصل أحد إلى الجنة إلا بمقاومة شهواته..
فلقد حفت الجنة بالمكاره.. وحفت النار بالشهوات.. فاتباع الشهوات في اللباس.. والطعام.. والشراب.. والأسواق.. طريق إلى النار.. قال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات
فاتعبي اليوم وتصبَّري.. لترتاحي غداً
فإنه يقال لأهل الجنة يوم القيامة: ”سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ“
أما أهل النار فيقال لهم: ”اَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ“
إنَّ الـــدُنــْـيــَّـا سـَــاعــَــة .... فـَـاجـْــعـَــلـْـهـَـا طــَــاعــَـــة
والــنـَـفـْـسُ طــَـمـَّـاعــَــة .... عـَــودْهــَــا الـــقــَـنــَـاعــَــة
لـسـت مـجــبـراً عـلى إرسـالـهـا ولـن تـؤثـم عـلى إهــمـالـهـا بـإذن الله
فـإن شــئــت أرســلــهــا فـــتــؤجـــر .... أو أمـــســـكــهــا فـــتــحـــرم